الشيخ السبحاني

35

مفاهيم القرآن

عند الشدة يكشف عن ساقه ويخوض غمار الحوادث . ب : « ويُدعون إلى السجود » لا طلباً وتكليفاً جدياً ، بل لازدياد الحسرة ، فلا يستطيعون ، إمّا لسلب السلامة عنهم ، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم . ج : « وقد كانوا يُدعون إلى السجود وهم سالمون » والمعنى أنّهم لما دعوا إلى السجود في الدنيا امتنعوا عنه مع صحّة أبدانهم ، وهؤلاء يُدعون إلى السجود في الآخرة ولكن لا يستطيعون ، وما ذلك إلّا لتزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرَّطوا . 4 . « وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ المَيْلِ فتَذَرُوها كَالمُعلّقَةِ وإن تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » . « 1 » وقد استدل بها الشيخ الأشعري على ما يروم من جواز التكليف بما لا يطاق ، وقال : وقد أمر اللَّه تعالى بالعدل ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على أن يُعدل . « 2 » أقول : لا شكّ أنّه سبحانه أمر من يتزوج بأكثر من واحدة بإجراء العدالة بينهنّ ، قال سبحانه : « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا تعْدِلُوا فَواحِدَة » « 3 » وفي الوقت نفسه صرَّح في آية أُخرى بأنَّ إجراء العدالة بينهنّ ، أمر غير مقدور ، ومع ذلك نهى عن التعلّق بواحدة منهن والإعراض عن الأُخرى حتى تُصبح كالمعلّقة لا متزوجة ولا مطلقة . وبالتأمل في الآية يظهر بأنّ العدالة التي أمر بها غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج القيام بها ، فالمستطاع منها هو الذي يقدر عليه كلّ متزوج بأكثر من واحدة ، وهو العدالة في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها من الحقوق

--> ( 1 ) النساء : 129 . ( 2 ) لاحظ الاستدلال بهذه الآيات في كتاب اللمع للإمام الأشعري : 99 - 114 . ( 3 ) النساء : 3 .